﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 النيرفانا بين الفلسفة البوذية والعرفان الإسلامي  

القسم : متفرقات دينية   ||   التاريخ : 2026 / 11 / 04   ||   القرّاء : 37

🧘🏻 النيرفانا بين الفلسفة البوذيَّة والعرفان الإسلاميِّ 

1️⃣ (النيرفانا في الفلسفة البوذيَّة) 

🔹 الرغبة والتعلُّق:

- تحتلُّ الرغبة والتعلُّق مكانةً محوريَّةً في الفلسفة البوذيَّة؛ إذ تُعنى هذه الفلسفة بطبيعة تعلُّق الإنسان بالأشياء والأشخاص والملذَّات والمكاسب والأحوال التي يرغب في امتلاكها أو الاحتفاظ بها؛ وذلك حين يغفل عن طبيعتها المتغيِّرة، وما يطرأ عليها من تحوُّلٍ وزوالٍ. ويمكن تبسيط أبرز مظاهر هذا التعلُّق في رغبتين:

أ. الرغبة في الحصول على ما لا نملك: وهي التطلُّع إلى امتلاك ما نفتقده، من مالٍ أو مكانةٍ أو لذَّةٍ أو غير ذلك.

ب. الرغبة في عدم خسارة ما نملك: وهي التمسُّك بما نمتلكه، والخوف من فقدانه أو زواله.

 

🔹 المثاليَّة والمعاناة:

- وإذا تأمَّلنا هاتين الرغبتين، وجدناهما قد تلتقيان في نزوع الإنسان إلى تحقيق صورةٍ مثاليَّةٍ لحياته والمحافظة عليها؛ فهو يسعى إلى امتلاك ما يراه ناقصًا في حياته، لسدِّ فقره بما يتوهَّم أنَّه يُغنيه، ويخشى فقدان ما يراه من عناصر اكتمالها.

- غير أنَّ هذا السعي، حين يتحوَّل إلى هَوَسٍ بالمثاليَّة ورغبةٍ تعلُّقيَّةٍ بها، يصبح هذا السعي مصدرًا للمعاناة؛ لأنَّ الإنسان يتألَّم حين يعجز عن بلوغ ما يريد، كما يتألَّم حين يخشى فقدان ما وصل إليه؛ إذ إنَّ بلوغ جميع ما يشتهيه، وضمان عدم فقدان شيءٍ ممَّا ناله، أمران متعذِّران؛ لأنَّ رغبات الإنسان متجدِّدةٌ لا تقف عند حدٍّ، ولأنَّ النِّعَم لا تجتمع كلُّها لإنسانٍ واحدٍ، ولأنَّ ما يمتلكه عُرضةٌ للتغيُّر والزوال؛ فضلًا عن أنَّ الكمال المطلق ممتنعٌ على الممكنات الفقيرة المُحدَثة، ومختصٌّ بذات واجب الوجود الغنيِّ المطلق.

 

🔹 النيرفانا والتحرُّر:

- وبناءً على ما تقدَّم، فإنَّ التحرُّر من المعاناة (الناشئة عن التعلُّق المفرط بالرغبة في امتلاك ما لا نملك، والخوف من خسارة ما نملك، والسعي المحموم إلى المثاليَّة) يقتضي تجاوز هذا التعلُّق، والتحرُّر من الجشع في تحصيل المرغوبات، والكراهيَّة لما يخالف الرغبات، والجهل بحقيقة الأشياء وتغيُّرها، من خلال مسارٍ أخلاقيٍّ وروحيٍّ ومعرفيٍّ يقوم على تهذيب السلوك والتأمُّل والحكمة.

- وهذه الغاية يُعبَّر عنها في الفلسفة البوذيَّة بـ(النيرفانا - #Nirvana)، وهي: انطفاء أسباب المعاناة (أي الجشع في تحصيل المرغوبات، والتعلُّق بها والخوف من فقدانها، والكراهيَّة لما يخالف الرغبات، والجهل بحقيقة الأشياء وطبيعتها المتغيِّرة).

- وليست (النيرفانا) فناءً للإنسان أو انتهاءً لوجوده، ولا انعزالًا عن الحياة يفقد به إحساسه ومشاعره؛ بل هي: تحرُّرٌ من التعلُّق الذي يستعبده ويُسبِّب له المعاناة.

- وترتبط (النيرفانا) أيضًا بالخلاص من دورة الولادات المتكرِّرة (أي الاعتقاد بأنَّ الإنسان، بعد موته، يولد من جديد في حياة أخرى، وتتكرَّر هذه العمليَّة ما لم يتحرَّر من أسبابها)، كما يُعتقَد في التصوُّر البوذيِّ.

 

🔹 خلاصة فلسفه البوذيَّة:

- وعليه، يتَّضح أنَّ (النيرفانا) تقوم على انطفاء أسباب المعاناة، وفي مقدِّمتها الجشع والتعلُّق والنفور والجهل، ومن مظاهر التعلُّق التي يمكن أن يشملها هذا التحرُّرُ، الهَوَسُ ببلوغ صورةٍ مثاليَّةٍ للحياة والمحافظة عليها.

- ويحصل هذا التحرُّر من خلال مسارٍ يقوم على تهذيب السلوك والتأمُّل والحكمة، بما يُفضي إلى السكينة والتحرُّر من استعباد الرغبات والمخاوف والأهواء.

 

2️⃣ (الفناء والبقاء والأُنس في العرفان الإسلاميِّ) 

🔹 الفناء والتحرُّر من جهة توهُّم استقلال الأنا:

- (الفَناء): وهو في أحد معانيه العرفانيَّة المشابهة للـ(النيرفانا)، تلاشي توهُّم الإنسان أنَّ له أنا مستقلَّةً (أي وجودًا مستقلًّا) عن واجب الوجود الذي أفاض عليها نور الوجود، فأخرجها من ظلمة العدم، أمام شهود العظمة الإلهيَّة (أي إدراك حضور اللّٰه وعظمته بالقلب والبصيرة، لا بالرؤية الحسِّيَّة)؛ بحيث لا يرى العارف لنفسه استقلالًا عن اللّٰه تعالى؛ إذ إنَّ افتراض استقلال الأنا في وجودها استقلالًا مطلقًا يستلزم تعدُّد واجب الوجود (أي تعدُّد القدماء بالذات)، وهو الواحد الأحد الذي لا شريك له في وجوب وجوده، ولا يُضادُّه أحدٌ في تفرُّده ووحدانيَّته.

- ولا يعني هذا الفناء زوال وجود العارف أو اتِّحاده بذات الخالق؛ إذ إنَّ الاتِّحاد ممتنعٌ؛ لأنَّ اللّٰه (واجب الوجود) منزَّهٌ عن التأثُّر بممكن الوجود والانفعال به أو التغيُّر بسببه؛ فهو أزليٌّ (لا بداية له) غير حادثٍ، ولا يطرأ على ذاته تبدُّلٌ أو تحوُّلٌ.

- كما أنَّ الموجود خلا اللّٰه (ممكن الرحود) لا يتحوَّل إلى واجب الوجود؛ لاستلزام ذلك التناقض؛ إذ يلزم أن ينقلب ما كان مفتقرًا إلى غيره في أصل وجوده أي (ممكن الوجود) إلى موجودٍ غنيٍّ بذاته أي (واجب الوجود)، وهو خُلْفٌ. 

- وأمَّا انعدام الموجود، فالمقصود منه وفق المبنى العرفانيِّ الذي نتبنَّاه، هو امتناع طروِّ العدم على حقيقة الوجود في أصالتها، لا على صور الموجودات الممكنة وتعيُّناتها؛ إذ إنَّ أصل الوجود الذي تحقَّق بالتجلِّي والإفاضة الإلهيَّين لا يعتريه العدم، وإنَّما الذي يطرأ على الموجودات الممكنة هو تبدُّل مظاهرها وأطوارها وتعيُّناتها.

- ومن ثَمَّ، فإنَّ فناء صورة الموجود أو زوال تعيُّنه لا يستلزم انعدام حقيقة الوجود التي بها تحقَّق.

- ولا يعني ذلك أنَّ وجود الممكن عينُ وجود اللّٰه تعالى، أو أنَّ الإفاضة الإلهيَّة تُكسب الممكن وجوب الوجود بالذات؛ إذ يبقى الممكن مفتقرًا إلى واجب الوجود في أصل تحقُّقه وبقائه، ولا يخرج عن حدود إمكانه الذاتيِّ.

 

🔹 البقاء ومقام العبوديَّة:

- (البقاء): هو بقاء العارف في مقام العبوديَّة بعد فنائه عن توهُّم استقلال ذاته وأهوائها؛ بحيث يعيش بين الخلق دون أن يكون أسيرًا للتعلُّق بهم أو الغفلة عن الحقِّ.

- وتتجلَّى عزَّة العبوديَّة للّٰه تعالى، والتحرُّر من استعباد المال والسلطان والمكانة الاجتماعيَّة، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: «مَنْ أَرَادَ عِزًّا بِلَا عَشِيرَةٍ، وَهَيْبَةً مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ، وَغِنًى مِنْ غَيْرِ مَالٍ، وَطَاعَةً مِنْ غَيْرِ بَذْلٍ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللّٰهِ إِلَى عِزِّ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ». [الأمالي - الطوسي - المجلس الثامن عشر، ح ٦٨].

- ويتجلَّى التحرُّر من التعلُّق المفرط بالمكاسب والخسائر في قوله تعالى: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (٢٣)} [الحديد]؛ أي ألَّا يَستعبد الحزنُ الإنسانَ على ما فاته، ولا الفرحُ المفرط بما ناله؛ فلا يكون أسيرًا لما يفقده ولا لما يمتلكه.

 

🔹 الأُنس والطُّمأنينة الإلهيَّة:

- (الأُنس باللّٰه): هو سكينة القلب وطُمأنينته باستشعار القرب الإلهيِّ ومحبَّته.

- قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)} [الحديد]؛ أي إنَّ العارف يستشعر معيَّة اللّٰه تعالى في جميع أحواله، فيأنس بقربه، ويطمئنُّ قلبه بحضوره، دون أن تعني هذه المعيَّة حلولًا مكانيًّا أو اتِّحادًا بالخلق (كما تقدَّم).

- ولا يعني هذا الأُنس انعدام المشاعر الإنسانيَّة، بل التحرُّر من استعبادها للقلب، مع بقاء ما تقتضيه الطبيعة الإنسانيَّة من مشاعر وانفعالات نفسيَّة، دون أن تستولي على القلب أو تُفقده سكينته وطُمأنينته.

 

3️⃣ النيرفانا والعرفان الديني: (من جهة التشابه والاختلاف) 

- تلتقي التجربتان في الدعوة إلى التحرُّر من التعلُّق المفرط بالأشياء والأهواء، وتجاوز التمركز حول (الأنا) والرغبات والمخاوف التي تستعبد الإنسان، بما يُفضي إلى السكينة والرضا والقناعة، ويُخفِّف من وطأة المعاناة والشقاء النفسيِّ.

- غير أنَّ بلوغ السعادة الحقيقيَّة والنجاة من الشقاء، في التصوُّر الإسلاميِّ، يرتبطان باتِّباع الهدى الإلهيِّ وعدم الإعراض عن ذكر اللّٰه تعالى.

- قال سبحانه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (١٢٤)} [طه]

- فالتحرُّر من استعباد الرغبات والأهواء، في العرفان الإسلاميِّ، ليس غاية مستقلِّة عن الهداية الإلهيَّة، بل هو من آثار التوجُّه إلى اللّٰه تعالى والقرب منه.

 

🔹 وجه الاختلاف من جهة المنطلق:

- تنطلق (النيرفانا) البوذيَّة من تصوُّر فلسفيٍّ يقوم على فهم طبيعة المعاناة وأسبابها، ولا سيَّما التعلُّق والرغبة والجهل بحقيقة الأشياء، دون أن يتأسَّس على الإيمان بإلهٍ خالقٍ (واجب الوجود).

- بينما ينطلق الفناء العرفانيُّ الإسلاميُّ من الإيمان باللّٰه تعالى، بوصفه (واجب الوجود) الذي تفتقر إليه جميع الممكنات في أصل وجودها وبقائها.

 

🔹 وجه الاختلاف من جهة الغاية:

- فإنَّ غاية النيرفانا البوذيَّة هي: الانطفاء التامُّ لأسباب المعاناة، وما يرتبط بذلك من التحرُّر من دورة الولادات المتكرِّرة (كما تقدَّم).

- بينما يرتبط الفناء العرفانيُّ بشهود الحقِّ (أي إدراك حضور اللّٰه تعالى وعظمته بالقلب والبصيرة، لا بالرؤية الحسِّيَّة)، والقرب الإلهيِّ، والبقاء في مقام العبوديَّة، بما يُحقِّق للعارف، وفق التصوُّر العرفانيِّ الإسلاميِّ، السعادة الأبديَّة بالرضا والإرضاء.

- قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)} [الفجر].

- ومن هنا قلنا في تعريفنا للـ(الدين): إنَّ الدِّينَ هو خارطةُ حياةٍ سعيدةٍ إلى آخرةٍ أسعدَ.

 

🔚 الخلاصة:

- إذا كانت (النيرفانا) البوذيَّة انطفاءً لنار التعلُّق المفرط بالرغبات والملذَّات والمكاسب، والجهل بحقيقة الأشياء وطبيعتها المتغيِّرة.

- فإنَّ الفناء العرفانيَّ يتمثَّل في التحرُّر من توهُّم استقلال (الأنا) في وجودها عن واجب الوجود، أمام شهود الحقِّ وإدراك عظمته، وما يرتبط بذلك من البقاء في مقام العبوديَّة، والأُنس باللّٰه تعالى، واستشعار قربه ومحبَّته، والطُّمأنينة بحضوره؛ وبينهما تشابه في بعض الآثار الروحيَّة، واختلاف جوهريٌّ في المنطلق والغاية.

▫️▪️▫️▪️▫️▪️

د. السيد حسين علي الحسيني

واتساب: 009613804079 

 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



• النيرفانا بين الفلسفة البوذية والعرفان الإسلامي

• الدين أفيون الشعوب

• شواهد القرآن على أنَّ النباتات الورقيَّة والبقول من غذاء الإنسان

• قطط

• استحباب تربية القطط

• المنتحر ليس كافرا

• شهادة السيدة فاطمة الزهراء

• حجابي عهد إيمان

• عرامة الصبي

• أصل لفظة الجلالة (اللّٰه)

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



• صيام الأيام البيض في رجب

• الحج والحقوق الشرعية

• محادثة الرجال والنساء

• أحكام العمرة المفردة

• فوسوس (إليه) (لهما)

• زيارة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الأحد

• الرشيد الصبور

• الإمام المهدي (2) (عليه السلام)

• للأوجاع والأمراض

• الجماع في العمرة المفردة

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net