﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الدين أفيون الشعوب 

القسم : متفرقات ثقافية   ||   التاريخ : 2026 / 11 / 03   ||   القرّاء : 50

🔴 الدين أفيون الشعوب 

🔹 الدين والفلسفة: هل هما خصمان؟

- كثيرون مَنْ يظنّون أنَّ الدين والفلسفة خصمان لا يلتقيان، والحقُّ خلاف ذلك؛ لأنَّ العقل آلة الدين والفلسفة معًا، وكلاهما، في أصله الصحيح، يرفض ما يصادم العقل السليم ويضرب به عُرْضَ الجدار.

- غير أنَّ بعض الفلاسفة والناقدين للفكر الديني لم يُوفَّقوا إلى الفهم الصحيح لبعض المبادئ الدينيَّة، فأنكروا ما لم يُحسنوا فهمه، وعابوا ما لم يُمعنوا فيه النظر والتمحيص.

- ومن هذه المبادئ (مبدأ الحمد) في الشدَّة والرخاء، الذي نجده حاضرًا في تعاليم الرسل والرسالات السماويَّة؛ وهو مبدأ ينضوي على معنيَي الرضا والقناعة، ويهدف إلى تحرير الإنسان من التعلُّق المفرط بالدنيا، ومن اللهاث المحموم خلف شهواتها وملذَّاتها، لا إلى حرمانه من خيراتها أو منعه من السعي إلى تحسين حياته. وقد جاءت الشرائع السماويَّة تؤكِّد هذا المعنى.

- ففي الإنجيل: «(١٥) لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ (١٦) لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ (١٧) وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ» [١ يوحنا ٢].

- وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)} [القصص].

 

🔹 الحمد والرضا: قناعة أم استسلام؟

- ولكن، هل يعني الحمد والرضا أن يستسلم الإنسان لواقعه، ويرضى بالظلم والفقر والحرمان، ويكفَّ عن السعي إلى الإصلاح والتغيير؟!

- هنا تبرز إحدى الإشكاليَّات التي أثارها بعض الناقدين للدين، ومن أشهرهم الفيلسوف كارل ماركس، صاحب المقولة المعروفة: «الدين أفيون الشعوب»(١).

- ولعلَّ من أوجه النقد التي يمكن أن تُفهم من هذه المقولة أنَّ الدين، بما يدعو إليه من رضا وقناعة، قد يجعل الإنسان مستسلمًا لواقعه، متقبِّلًا لمعاناته، غير متطلِّع إلى تغيير أحواله أو إصلاح مجتمعه.

 

🔹 الرضا لا يعني الخنوع

- غير أنَّ هذا الفهم، إذا أُطلق على تعاليم الدين ومبادئه، كان مجانبًا للصواب؛ فليس الرضا خنوعًا، ولا القناعة كسلًا، ولا الحمد على كلِّ حال دعوةً إلى الاستسلام!

- إنَّ الدين لا يدعو الإنسان إلى أن يكون خاملًا ذليلًا، بل يحثُّه على العمل والسعي والإصلاح، وعلى بذل ما في وسعه ليحيا حياة كريمة عزيزة، تتحقَّق فيها إنسانيَّته وتُصان فيها كرامته.

- فالرضا بما لا يملك الإنسان تغييره لا يعني الرضا بالظلم الذي يستطيع دفعه، والقناعة بما في اليد لا تعني ترك السعي إلى ما هو أفضل.

- وإنَّما يأتي مبدأ الحمد والرضا ليهذِّب علاقة الإنسان بنتائج سعيه؛ فإذا بذل وسعه، وأدَّى ما عليه من واجبات، لم يكن من الحكمة أن يُعذِّب نفسه بالتحسُّر على ما فات، أو يُفني عمره في الندم على ما لم يتحقَّق. وفي هذا المعنى يقول تعالى:

{لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلٰى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ آتَاكُمْ (٢٣)} [الحديد].

- وكذلك لا ينبغي للإنسان أن يستبق آلام المستقبل، فيعيش أسير توقُّعاته السلبيَّة ومخاوفه المشؤومة، بل عليه أن يعمل لما يرجوه من خير، وأن يستقبل غده بالأمل والثقة، ما دام لم يُقصِّر في واجباته الإنسانيَّة.

- وقد جاء في الإنجيل: «لا يُهِمَّكُمْ أَمْرُ الغَدِ، فَالغَدُ يَهْتَمُّ بِنَفْسِهِ، وَلِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ العَنَاءِ ما يَكْفِيْه» [إنجيل متى ٦: ٣٤].

 

🔹 الدبن تحرير لا تخدير

- وهكذا، فالدين الذي يدعو الإنسان إلى السعي والإصلاح، ثم يعلِّمه الرضا بعد بذل الوسع، ليس أفيونًا يُخدِّر العقول ويشلُّ الإرادات، بل منهجٌ يحرِّر الإنسان من عبوديَّة الشهوات، ومن أسر الندم والخوف، ويمنحه القدرة على مواجهة الحياة بعزيمةٍ وطمأنينة.

.......................................

(١) وردت المقولة في مقدِّمة ماركس لكتاب «مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل»، وقد كُتبت سنة ١٨٤٣م، ونُشرت سنة ١٨٤٤م.

▫️▪️▫️▪️▫️▪️

د. السيد حسين علي الحسيني 

واتساب: 009613804079 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



• النيرفانا بين الفلسفة البوذية والعرفان الإسلامي

• الدين أفيون الشعوب

• شواهد القرآن على أنَّ النباتات الورقيَّة والبقول من غذاء الإنسان

• قطط

• استحباب تربية القطط

• المنتحر ليس كافرا

• شهادة السيدة فاطمة الزهراء

• حجابي عهد إيمان

• عرامة الصبي

• أصل لفظة الجلالة (اللّٰه)

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



• الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام)

• طلق عقد طلق

• وكالة الطلاق

• زيارة الإمام محمد بن علي الجواد التقي (عليهما السلام)

• الاستنجاء

• الرب السيِّد

• استحباب أكل اللحم

• الوطن بين الوعي والاستغلال السياسي

• أبو طالب

• منشأ الدراما النفسية (لماذا نحزن؟)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net