|
🤲🏽 خطأ شائع في دعاء كميل
- اشتهرَ علىٰ ألسنةِ الناسِ في دعاءِ كميلٍ قولُهم: "وَلَأُنَادِيَنَّكَ أَيْنَ (كُنْتَ)" بفتحِ تاءِ (كُنْتَ) علىٰ أنَّها عائدةٌ علىٰ الذاتِ الإلهيَّةِ:
* إمَّا علىٰ نحوِ الاستفهامِ عَنْ مكانِ المنادىٰ المدعوِّ تعالىٰ بمعنىٰ: (لأنادينَّكَ يا اللّٰهُ: أين كنتَ؟!).
* أو علىٰ نحوِ الإخبارِ عَنْ مكانِه تعالىٰ أيضًا بمعنىٰ: (لأنادينَّكَ يا اللّٰهُ أينما كنتَ).
- وكلا هذين الاحتمالين باطل. والصحيحُ أنَّها جملةٌ إخباريَّةٌ عَنْ مكان المنادي الداعي بمعنىٰ: "وَلَأُنَادِيَنَّكَ أَيْنَ (كُنْتُ)" بضمِّ تاءِ (كُنْتُ)؛ أي (لأنادينَّكَ يا اللّٰهُ أينما كنتُ).
وبيانُ ذلك وتوضيحُه مِنْ أربعةِ وجوهٍ:
1️⃣ الوجه الأول:
- إنَّ اللّٰهَ (جلَّ وعلا) لا يَحُلُّ في مكانٍ أو يخلو مِنْ مكانٍ حتىٰ ننسبَ له المكانَ بِـ(أين كنتَ)؛ سواءٌ علىٰ نحوِ الاستفهامِ أو الإخبارِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ يَحُلُّ في مكانٍ فهو جسمٌ محدودٌ في هذا المكانِ، وكلُّ جسمٍ محتاجٌ إلىٰ أجزائِه، واللّٰهُ تعالىٰ غنيٌّ مطلقٌ.
2️⃣ الوجه الثاني:
- بناءً علىٰ الاستفهامِ يلزمُ مِنْ سؤالِ العبدِ الداعي ربَّه (أين كنتَ؟!) الاعتقادُ بأنَّه تعالىٰ يتركُ عبدَه هَمَلًا، أو أنَّه يخفىٰ عليه مكانُه حتىٰ استدعىٰ أنْ يناديَه عبدُه معاتِبًا بـ(أينَ كنتَ؟!)، وهذا - فضلًا عن كونِه سوءَ أدبٍ مع الحقِّ سبحانه - خلافُ قولِه تعالىٰ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ (٤)} [الحديد].
3️⃣ الوجه الثالث:
- إنَّ نسبةَ المكانِ للّٰهِ تعالىٰ سواءٌ علىٰ جهةِ الاستفهامِ أم الإخبارِ، لا نظيرَ له في أيِّ دعاءٍ آخرَ، بل كلُّ أدعيةِ ورواياتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) تُضَادُّ ذلك، فضلًا عن آيِ القرآنِ الكريمِ.
* قال تعالىٰ: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ (٥٤)} [فُصِّلَتْ]، وفي هذه الآيةِ المباركةِ دلالةٌ واضحةٌ علىٰ إحاطةِ المحيطِ (جلَّ وعلا) بكلِّ مكانٍ وزمانٍ.
* وفي حديثٍ عَنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) أنَّه: "سَمِعَ رَجُلًا يقولُ: (وَالَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعِ طِبَاقٍ)، فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: يا وَيْلَكَ! إِنَّ اللّٰهَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحْتَجَبَ عَنْ شَيْءٍ، أَوْ يُحْتَجَبَ عَنْهُ شَيْءٌ، سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ" [بحار الأنوار ج٣، ص٣١٠]. وفي هذا الحديثِ زَجْرٌ مُغَلَّظٌ عَنِ الإشارةِ للذاتِ الإلهيَّةِ بالمكانِ. فلنتدبَّر.
4️⃣ الوجه الرابع:
- ادَّعىٰ مَنْ أرادَ تصحيحِ إرادةِ الاستفهامِ بِـ(أين كنتَ؟!)، أنَّ المرادَ: (أينَ كانت رحمتُكَ يا ربِّ؟!)، وهذا تجشُّمٌ واضحٌ في المعنىٰ؛ فإنَّ المتذوِّقَ للعربيَّةِ يدركُ عدمَ استقامةِ هذا التقديرِ؛ إذْ شَتَّانَ بينَ السؤالِ عَنْ مكانِ اللّٰهِ ورحمتِه، فإنَّ المكانَ موضعٌ، بينما رحمتُه صفةٌ فعليَّةٌ لهُ (سبحانه).
- ومهما يكنْ مِنْ شيءٍ، فقدْ أجمعَ علماءُ اللغةِ والشريعةِ علىٰ أنَّ عدمَ التقديرِ أولىٰ مِنَ التقديرِ. فإذا توجَّهتِ العبارةُ واتَّفقتْ مَعَ عقائدِنا وآدبِانا مَعَ الذاتِ الإلهيَّةِ بضمِّ (التاءِ) على نحوِ الإخبارِ عن مكانِ المنادي الداعي في (أين كنتُ) لا المنادىٰ المدعوِّ، فلا ينبغي التعدِّي إلىٰ التأويلِ والتقديرِ لِمَا فيه من تكلُّفٍ في المعنىٰ. فلنتدبَّرْ.
🔚 زُبْدَةُ المَخَاضِ:
- تبيَّن في الوجوهِ الأربعةِ المتقدِّمةِ أنَّ الصحيحَ أنْ نقولَ: "وَلَأُنَادِيَنَّكَ أَيْنَ (كُنْتُ)" بضمِّ (التاءِ)، فتكونُ الجملةُ إخباريةً عن المنادي الداعي الذي يخبرُ اللّٰهَ تعالىٰ: (يا ربِّ! إنْ أدخلتني النَّارَ، لن أتوقَّفَ عَنْ مناداتِك في أيِّ مكانٍ وموقفٍ تُنْزِلُنِي فيه مِنها). واللّٰهُ العالمُ بحقائقِ الأمورِ.
▫️▪️▫️▪️▫️▪️
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|