﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 سِرُّ {أنَّي أَذْبَحُكَ}  

القسم : متفرقات عقائدية   ||   التاريخ : 2025 / 06 / 05   ||   القرّاء : 2516

🔴 سِرُّ {أَنِّي أَذْبَحُكَ} 

ما مِنْ ريبٍ في قلوبِ العارفينَ، أنَّ اللّٰهَ (سبحانه) هو مَعدِنُ الرحمةِ، ومَنْبَعُ الرأفةِ، ومُفِيضُ الشفقةِ، فكيفَ يُتصوَّرُ – وهو المتَّصفُ بصفاتِ الجلالِ والجمالِ – أنْ يأمرَ أبًا رؤومًا، أنْ يسلَّ سكينَ الطاعةِ ليذبحَ فلذةَ كبدِه؟!

هنا، لا بدَّ أنْ تُشرَّعَ نوافذُ الروحِ والعقلِ، وتُفتَحَ سدودُ روافدِ النقلِ، عسى أنْ يتسلَّلَ منها شيءٌ مِنَ النفحاتِ، أو يرويها غيضٌ مِنَ الفيوضاتِ، فنُعيدُ طرحَ السؤالِ، ونجيبُ عليه بلا استعجالٍ:

هل أرادَ اللّٰهُ فعلًا مِنْ نبيِّه إبراهيمَ ذَبْحَ ابنِه إسماعيلَ (عليهما السلام)؟! 

نقولُ:

- أوَّلًا:

لو كان المقصودُ ذبحَ الرقبةِ على نحوِ التحقيقِ، فَلِمَ لم يأتِ الأمرُ الإلهيُّ صريحًا بلسانِ وحيٍ دقيقٍ، شأنَ التكاليفِ العظامِ والأوامرِ الجسامِ؟! فيقولُ بما لا يحتملُ التأويلَ، ولا القالَ والقيلَ: (يا إبراهيمُ! اِذْبَحْ ابْنَكَ إسماعيلَ)؟! وإنَّما جاءَ الأمرُ في صورةِ (رؤيا)، تُرى ولا تُسْمَعُ، وتُتَلقَّى ولا تُبَلَّغُ: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (١٠٢)} [الصافات]. 

أليس ذلك إلماعًا خفيًّا إلى أنَّ المرادَ لم يكنْ ذبحًا جسديًّا، بل تجسيدًا معنويًّا، يكتنزُ سِرًّا عَلِيًّا، ورمزًا سَنِيًّا، وأنَّ اللّٰهَ خاطبَ نبيَّهُ بلغةِ (الصورةِ) لا (العبارةِ)؛ لأنَّ المرادَ - ظاهرًا لا باطنًا - هو المشهدُ لا الحدثُ، بل النيَّةُ لا العملُ؟!

 

- ثانيًا:

إنَّ إرادةَ اللّٰهِ لا تُغلَبُ، ولا يُعجِزُها في الكونِ ما يبقى وما يَذْهَبُ، هو المقتدرُ إذا قضى أمرًا، فـ"كُنْ" يقولُ، فيكونُ ما قالَ ولا يُستَغرَبُ. فلو أرادَ الذبحَ حقًّا واقعًا، لَمَا صدَّه شيءٌ، بل ينثني كلُّ شيءٍ لِمَا أرادَ ويتأدَّبُ.

فلَمَّا لم يقعِ الذبحُ، عُلِمَ أنَّه لم يجرِ به اليراعُ ولم يُنقشْ به اللَّوحُ، وأنَّ جلالَه يأبى أنْ يستقرَّ ذلك في أهلِ الصفا، فانجلتِ الحكمةُ في طَيِّ الخفا، أنّ الأمرَ من أوَّلهِ قد انتفى.

وإنَّما أرادَ اللّٰهُ في باطنِ أمرِه أنْ يرى مِنْ خليلِه تسليمًا لا تردُّدَ فيه، واستسلامًا لا ارتيابَ معه؛ فكان المقصودُ تصديقَ الرؤيا قلبًا لا تنفيذَها قالبًا؛ لذا جاءَ نداءُ الخليلِ لخليلِه في لحظةِ تحقيقِ المرادِ، وتسليمِ القلوبِ لا الرقابِ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)} [الصافات]

 

- ثالثًا:

إذا كنَّا نحن الذين لا نملكُ قَدْرَ نَقِيرٍ مِنْ علمِ الأنبياءِ، قد تنبَّهْنا إلى ما تنبَّهْنا إليه، فما بالُنا بخليلِ اللّٰهِ وأبي الأنبياءِ وإمامِ الموحِّدينَ و(الأمَّةِ)، هل يمكنُ أنْ يغفلَ عَنْ أنَّ الذي استعظمَ مِنْ قبلُ قَتْلَ الأخِ لأخِيه بغيرِ نفسٍ ولا فسادٍ حتَّى جعلَه: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (٣٢)} [المائدة]، لا يمكنُ أنْ تتعلَّقَ إرادتُه الفعليَّةُ بذبحِ الأبِ لابنِه بلا جُرْمٍ ولا جريرةٍ؟!

والجوابُ:

هو مِنْ أهلِ الظاهرِ مَنْ لم يتنبَّهْ إلى أنَّ ملكوتَ الذبحِ وسِرَّهُ الموحى به لم يكنْ ذبحًا للرقابِ، بل هو ذبحٌ للنفسِ والهوى لانفكاكِها عَنْ أَسْرِ التعلُّقِ بغيرِ ربِّ الأربابِ؛ فإبراهيمُ لم يُؤمرْ باطنًا بذبحِ عنقِ إسماعيلَ الابنِ، بل بذبحِ تعلُّقِه به.

وإنْ شئت قلت:

إنَّ اللّٰهَ (جلَّتْ قدرتُه وتقدَّستْ إرادتُه) ما أرادَ مِنْ خليلِه الذبحَ فداءَه، بل أرادَ أنْ يَذبَحَ في قلبِه كلَّ تعلُّقٍ سواءَه، وأنْ تُسلَّمَ النفسُ طائعةً لما شاءَه، فتَنْسَلِخَ عَنْ حظوظِها، وتفِرَّ إلى محبوبِها، حتَّى لا يبقى فيها لغيرِه مِنَ اللهفةِ مأوى، ولا للهوى مأتى... فلمَّا أشرقتْ شمسُ التسليمِ مِنْ أفقِ فؤادِه، وأُرِيقَ مِنْ محرابِه كلُّ مَنْ زاحمَ الأحدَ في وِدادِه... اتَّخَذَهُ الرحمنُ خليلًا، وجعلَه للعارفينَ هاديًا ودليلًا. (واللّٰهُ العالمُ بحقائقِ الأمورِ). 

➖➖➖➖➖➖➖➖

د. السيد حسين علي الحسيني 

واتساب: 009613804079 

 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



• النيرفانا بين الفلسفة البوذية والعرفان الإسلامي

• الدين أفيون الشعوب

• شواهد القرآن على أنَّ النباتات الورقيَّة والبقول من غذاء الإنسان

• قطط

• استحباب تربية القطط

• المنتحر ليس كافرا

• شهادة السيدة فاطمة الزهراء

• حجابي عهد إيمان

• عرامة الصبي

• أصل لفظة الجلالة (اللّٰه)

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



• كثير الشك والوسواسي

• صوم الصغيرة البالغة

• وقت الإمساك والإفطار

• الإمام المهدي (عليه السلام) 3

• رأس السنة الخمسية

• إجازة السيد في قراءة حفص عن عاصم

• التحقيق والحدر والتدوير

• متفرقات الخمس

• زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

• السيدة زينب ولادتها وفاتها مدفنها

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net