﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الرجعة 

القسم : المعاد والرجعة   ||   التاريخ : 2011 / 03 / 07   ||   القرّاء : 9393

في الرَّجْعَة:

      من عقائد الإماميّة أنّ الله تعالى يُعيد من النّاس البالغ منهم غاية في الإيمان فيعزّهم، أو غاية في الفساد فيذلّهم، وذلك عند قيام المهديّ (عجّل الله فرجه). ثمّ بعد ذلك يميتهم الموتة الثّانية لانتظار النشور. والرّجعة غير التناسخ ؛ فالأولى رجوع الرّوح إلى البدن الذي خرجت منه، والثاني رجوعها إلى بدن آخر.
     
      وقد شذّ بعض الإماميّة عن هذا القول إذ أَوَّلُوا الرَّجعة برجوع دولة آل البيت عليهم السّلام إثر ظهور الحجّة المنتظر.

       أمّا أهل السنة، فقد استنكروا هذا المُعْتَقَد، واستقبحوه، واستعظموه حتى تجاوز عندهم درجة الكفر، ومِمَّا جاء في كتبهم: " اليهوديّة ظهرت في التشيّع بالقول بالرّجعة " (1). فألحقونا باليهوديّة لأنّ اليهود يقولون بها كما يزعمون. والحقيقة أنّه لا بدّ لظهور بعض معتقدات اليهوديّة والنصرانيّة عندنا ؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء مُصّدِّقا لِما بين يديه من الشرايع السّماويّة (2)، فأين العيبُ في ذلك ؟

      لا جواب سوى أنّ الحقد الأعمى الذي تنتفخ به بعضُ القلوب السّوداء يدفعها لقذف الحقّ برصاصات عَفِنة نَتِنَة، فتصول وتجول حتى تجعل من محبِّي عليّ (عليه السلام) كفّارا، مع أنّهم قالوا واعتقدوا بأمور تجرّ عظيم الفساد على الإسلام ؛ منها ما نسبوه للنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بجواز نسيانه وسهوه، بل عصيانه (3)، وميله للغناء والرّقص، وغيرها من الأمور المعيبة، والمضحكة المبكية، والتي نَفَوْها عن أبي بكر وعمر وعثمان، إذ جعلوا الملائكة تستحي منهم ولا تستحي من حبيبه ورسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل بلغ بهم الأمر أن جعلوا الثانيَ خاشيًا لله دونه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه ترك أمّته يموج بعضُها في بعض دون تنصيب خليفة، أمّا أبو بكر، فكان أحرص على الإسلام من نبيّ الإسلام، وواعيًا للأخطار أكثر منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعيّن الخليفة الثّاني من بعده، درءًا للفتن، وحقنا للدّماء. أستحلفكم بالله من أين جاء المرتدّ "سلمان رشدي" بتلك الأحاديث والمقولات التي شوّهت صورة أشرف المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

       ولا غَرْوَ من كلّ اتّهاماتهم وأراجيفهم ؛ فقد صَدَعُوا بتهويدنا في مواطن عدّة، بل اعتبرونا ألعن من اليهود والنّصارى، ومِمّا جاء في كتبهم عن الرّوافض: " الرّوافض: أهل الكلام الذين رفضوا الصّحابة، قيل إنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال فيهم: " الرّوافض يهود هذه الأمّة "، وقيل الرّوافض شرّ من اليهود والنّصارى... وعن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: " سيكون في آخر الزّمان قوم لهم نبْزٌ، يُقال لهم الرّوافض، يرفضون الإسلام، فاقتلوهم فإنّهم مشركون "... والرّوافض انقسموا شِيَعًا، قيل: بلغت اثنتين وعشرين، وإنّما أصولهم ثلاثة: هم الغلاة، والزّيديّة، والإماميّة " (4).
      والحقّ أنّ الرّجعة حاصلة لا محالة، ولا ندري لماذا استعظمها المخالفون ؛ حيث إنّها لا تخالف الأصول الإعتقاديّة عند المسلمين ؟
     1- فالرّجعة دليل على قدرة الله البالغة، وهي من قبِيل البعث والنشر.
     2- والرّجعة من الأمور الخارقة التي تصلح أن تكون معجزة لمحمّد وآله (صلوات الله وسلامه عليهم)، وبالخصوص الإمام المهديّ (عجل الله فرجه) الذي قد يحتاج إلى معجزة لتصديقه حين ظهوره.

     3- إنّ النبيّ عيسى (عليه السلام) قد أحيا الموتى بإذن الله كما دلّ صريح القرآن (5)، فلِمَ استهجان الرّجعة ؟!

     ← لقائل أن يقول: إنّ المسيح (عليه السلام) أحيا الموتى، ولكنّه لم يُرْجِعها بعد صيرورتها رميمًا، فإنّ هذا الأمر موكول إلى الله تعالى، وهو مرجوء  إلى قيام السّاعة.
     الجواب: 
     أوّلا: لا دليل على أنّ الله قد خصّ هذا الأمر بنفسه، وأنّه مرجوء إلى قيام السّاعة، فمع إمكانه لا مانع من وقوعه في دار الدّنيا، كما لا يعزّ على الله أن يهب لأحد أوليائه هذه القدرة.

     ثانيا: نستدلّ من القرآن على وقوعها في دار الدّنيا ؛ قال تعالى: >أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ الله ُبَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله ُمِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُـرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله َعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ< (6).

     إنّ هذه الآية المباركة بصراحة تعبيرها تلجم كلّ فيهٍ ناكر للرّجعة، فهي تسرد قصّة أحدٍ مرّ بقرية خاوية على عروشها، فتساءل عن كيفيّة إحياء الله لأهل القرية البائدة، فسرعان ما جاءه الجواب العينيّ اليقينيّ ؛ إذ أماته الله تعالى وحمارَه مائة عام، ثمّ أرجعه ليرى قدرة خالقه على إعادة إحياء الموتى وهي رميم، فنشر العظم، ثمّ كساها لحما، فلمّا تبيّن له الحقّ أذعن لقدرة الملك الذي بيده الحياة والموت والنّشور.

    5- نستدلّ ختاما على الرجعة ببعض الآيات:
     » قوله تعالى: >ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا< (7)، قـال في المجمـع: " الكرّة " معناها الرجعة والدولة (8).
     » وفي المجمع في قوله تعالى: >حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيْدٍ...<(9)، قال أبو جعفر (عليه السلام) هو في الرَّجعة (10).

     » وفي تفسير القميّ: حدّثني أبي عن ابن أبي عُمَير عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يقول النّاس في هذه الآية: >يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا<(11)؟ قلت: يقولون إنه في القيامة. قال: ليس كما يقولون، إنّها في الرّجعة، أيَحْشُرُ الله ُفي القيامة من كلّ أمّة فوجًا ويَدَعُ الباقين ؟ إنما آية القيامة: >... وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا<(12).

     نكتفي بهذا القدر من الآيات المباركة، وعلى كلّ حال ليست الرّجعة من المعتقدات التي يجب خوضها، وإعمال النظر فيها، وإنّما الأمر اتّباعا للروايات الصحيحة المأثورة عن أئمّتنا (عليهم السّلام)، فهي من الغيبيّات المنقولة عنهم في أكثر من مورد، فإن أخبر بها الصّادقون الذين أمرنا الله أن نكون معهم (13)، وأمكن وقوعها، فهي حاصلة لا محالة.

_____________________

(1) " فجر الإسلام " لأحمد أمين صفحة 276.
(2) " موسوعة الفلسفة والفلاسفة " للدكتور عبد المنعم الحفنيّ ج 1: 661.
(3) مع أنّ حتى النّمل لا يغفلون عن عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ؛ فنفَونَ عنه تحطيم قراهم:  >وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتى إِذَا أَتَوا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ< سورة النمل:17-18.
(4) >وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ الله ُقَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ< سورة البقرة الآية: 91.
(5) >... إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ...< سورة آل عِمران الآية: 49.
(6) سورة البقرة الآية: 259.
(7) سورة الإسراء الآية: 6.
(8) تفسير الميزان ج 31: 40 / ط. مؤسّسة النشر الإسلامي (جماعة المدرّسين).
(9) سورة المؤمنون الآية: 77.
(10) تفسير الميزان ج 51: 52 / ط. مؤسّسة النشر الإسلامي (جماعة المدرّسين).
(11) سورة النمل الآية: 83.
(12) سورة الكهف، الآية 47.
(13)   قال تعالى: > يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله َ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ< سورة التوبة الآية: 119.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 توحيد الله تعالى 2

 التوبة (1)

 الحقّ الوكيل

 آداب التّشييع

 الغنيّ المغني

 ها قد بشر نصر الله

 المضاربة

 المناجاة التاسعة: مناجاة المحبين

 للدخول والخروج من المسجد

 أحبُّ العراق

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net